الضوء مختلف في كل مكان


لكل كاتب أداته الخاصة۔ يحتاج بعضهم إلى الصمت، وبعضهم إلى الموسيقى، وآخرون إلى القهوة۔ أما أنا، فأحتاج قبل كل شيء إلى الضوء

ليس الضوء بحد ذاته — بل الضوء الصحيح۔ وهذا كثيراً ما يستلزم البحث۔

في الكويت، الضوء أبيض۔ رملي۔ كأن السماء بأكملها مغطاة بطبقة رفيعة من غبار الصحراء يُصفّي أشعة الشمس إلى بريق شبه أثيري۔ لا يمكن وصفه إلا بأن كل ما تحته يبدو في آنٍ واحد أكثر حدةً وأكثر غموضاً۔ أجلس بجانب حمام السباحة، بيدي مفكرة أو هاتف، وأحاول إيجاد الكلمات المناسبة۔ كيف يلمس هذا الضوء الماء؟ كيف ينعكس على الجدران البيضاء؟ كيف يبدو وجه الإنسان بشكل مختلف في الظهيرة وبعد ساعة؟

أكتب۔ أشطب۔ أكتب مجدداً۔

وأحياناً أتكاسل أيضاً۔ أعترف بذلك بصراحة۔ ليس الأمر دائماً أنني أُدوّن كل ملاحظة بجدية من الصباح حتى المساء۔ أحياناً أجلس فحسب، أتأمل سطح حمام السباحة وأترك الأفكار تسبح۔ ربما هذا أيضاً كتابة — لكن بطريقة مختلفة۔

وفي أحيان أخرى أدرس الريح۔ في الكويت تهب بشكل غريب — تأتي من الصحراء أحياناً ومن البحر أحياناً أخرى، وتحمل معها دفئاً ليس مزعجاً بل محسوساً بشكل دافئ۔ أبحث عن الشدة المناسبة۔ متى تكون الريح مجرد نسيم؟ ومتى يتحول النسيم إلى هبّة؟ ومتى تتحول الهبّة إلى شيء تشعر به ماري على وجهها وهي تتجول على طول قنوات بروخه؟

الضوء والريح۔ يبدوان عاديَّين للوهلة الأولى۔ لكن منهما نسجت أدق تفاصيل بروخه۔

عشت في أستراليا — أطول فترة في كانبيرا۔ كان الضوء هناك مختلفاً تماماً۔ أصفر ودافئ، كأنه يخرج من الأرض لا من السماء۔ وفي مناطق أخرى وجدت ضوءاً يشبه لون الطوب الأحمر۔ الضوء الأسترالي يجبرك على التفكير — أما الكويتي فيعانقك۔

على نهر إلبه الضوء مختلف۔ ناعم، مائي، متقلّب۔ رمادي في الصباح، ذهبي في الظهيرة، وردي في المساء كالصفحة الأولى من رواية۔ ضوء النهر صبور — تماماً كالنهر نفسه۔

براغ لها ضوء حجري۔ ينعكس على الرصيف والواجهات والأسطح۔ إنه ضوء يحمل الذاكرة — يشبه في ذلك بروخه۔

وأخيراً بروخه۔ لم أرها إلا في الصور وفي مخيلتي۔ لكنني أتخيل أن ضوء بروخه رطب وغامض — ضوء مدينة يلتقي فيها الماء والحجر كل يوم۔ الضوء الذي سترى فيه ماري بيير للمرة الأولى۔

ربما لهذا أكتب بجانب حمام السباحة بمفكرتي في يدي وأتكاسل فوق سطح الماء۔ أبحث عن ضوء بروخه۔ وأحياناً — يا للمفاجأة — أجده هناك۔ أتطلع بفارغ الصبر للسفر إلى بروخه۔ ولا أستطيع الانتظار حتى أرى تلك الأماكن بأم عيني۔ ليس فقط عبر خرائط غوغل وستريت فيو۔